صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
6
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
المفارقات كذلك النظر في مبدأ جميع الموجودات من حيث هو مبدأ جزء من العلم الأعلى وأما النظر فيما يخصه من حيث هو هو فإنه يتعلق بالنظر في العلم الذي موضوعه المفارقات وهو العلم الذي ينظر في الأمور المجردة عن المادة والحاصل أن الذي عمومه عموم الموجود والواحد لا يجوز أن يكون العلم بالأشياء التي تحته جزء من علمه لأنها ليست ذاتية له من أحد وجهي الذاتي المذكور في كتاب البرهان ولا العام يؤخذ في حد الخاص بل يجب أن لا يكون العلوم الجزئية أجزاء منه وإنما يجب أن يكون سائر العلوم تحت العلم الناظر في الموجود بما هو موجود والواحد بما هو واحد والفرق حاصل بين كون علم جزءا لعلم آخر أو كونه تحته ولأن لا موضوع أعم منهما فلا يجوز علم الناظر فيهما تحت علم آخر ولا جزء له قوله كان غريبا من الطبيعيات الأولى في الاعتذار ما ذكرناه كما مر لأنه إذا تطرق إثبات المطالب الغريبة عن علم في ذلك العلم لم ينضبط أجزاء العلوم وأحوالها فيدخل بعض العلوم ويختلط ومن ذلك القبيل أيضا إثبات كثيرة المحركات العقلية في علمي السماء والعالم من الطبيعي وإثبات النفس المجردة للإنسان في علم المركبات العنصرية منه والوجه في الجميع ما ذكرناه قوله كلها أربعة الأول مجرور والثاني مرفوع والكلية نعت لما عدا المضاف من أفراد المضاف إليه كما في قوله تعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ * وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وقولنا الأرض تحت جميع العناصر والمحدد فوق جميع الأفلاك قوله إلا واحدا منها وهو الفاعل للكل وإنما لم يمكن القول بكونه موضوعا لهذا العلم لما مر من البيان آنفا وفي بعض النسخ لا واحد منها أي السبب الفاعلي بخصوصه كما مر أو أي واحد من الأربعة والمراد أنه لا اختصاص لواحد من الأسباب القصوى بكونه موضوعا لهذا العلم دون غيره قوله ليست من الأعراض الخاصة بالأسباب بما هي أسباب إلى آخره المراد أن مثل الكلي والجزئي والقوة والفعل وإن صح أن يكون من أحوال الأسباب بما هي أسباب إلا أنها ليست مختصة بها لأنها كما يوصف بها الأسباب القصوى بما هي أسباب يوصف بها غير تلك الأسباب كالمعقولات وكالأسباب الجزئية وقد ثبت أن محمولات المسائل يجب أن يكون من الأعراض المختصة الذاتية للموضوع وإنما قيد الأسباب بقوله بما هي أسباب لأن تلك الأحوال من الأعراض الذاتية للأشياء الموجودة بما هي موجودة مطلقة أو واحدة مطلقة أو ما يجري مجراهما فإذا بحث عن أحوال الأسباب لا من حيث هي أسباب بل من حيث هي موجودة كان البحث فيها عن أحوال الموجود المطلق فيكون هو الموضوع لا هي قوله ثم من البين الواضح أن هذه الأمور إه هذا ثاني الوجوه على أن موضوع هذا العلم ليس هو الأسباب القصوى وتقريره على وجهين لأن المراد بهذه الأمور في كلامه إما الأسباب القصوى وإما مثل الكلية والجزئية ونظائرهما فعلى الأول تقول أن موضوع العلم يجب أن يكون مسلما في العلم الذي يبحث عن أحواله الخاصة وهذه الأسباب وجوداتها وكونها أسبابا من الأمور التي يجب البحث عنها إذا ليست بينة ولا هي من الأعراض الخاصة لموضوعات سائر العلوم الطبيعية والتعلمية وغيرهما فيجب أن يبحث عنها في هذا العلم فكيف يكون موضوعا هاهنا وعلى الثاني نقول من البين الواضح أن مثل الكلي والجزئي والقوة والفعل والقديم والحادث والواحد والكثير وغيرها من الأمور الشاملة للأسباب وغيرها في أنفسها ومن حيث عمومها وإطلاقها من المطالب التي لا بد من البحث عنها في شيء من العلوم لابتناء كثير من المقاصد الضرورية العلمية على البحث عنها ثم لا شيء من العلوم مما يقع فيه البحث عن هذه الأمور على وجه العموم إلا هذا العلم فيكشف أن البحث الواقع عنها في هذا العلم لا يجوز أن يكون على وجه اختصاصها بالأسباب الأربعة القاصية وإلا لوجب استيناف البحث عنها على وجه العموم أيضا فيكون البحث على هذا الوجه لغوا وأجنبيا في هذا العلم قوله وأيضا فإن العلم بالأسباب المطلقة اه هذا ثالث الوجوه وحاصله أن البحث عن أحوال الأسباب القصوى بما هي أسباب مطلقة فرع ثبوتها وإثباتها على الإطلاق تتوقف على معرفة أن في الوجود موجودات متعلقة الوجود بأسباب فاعلية وقابلية وصورية وغائية ليصح البحث عنها من حيث إنها أسباب مطلقة وإثبات السببية والمسببية بين شيئين لا يمكن بالحس لأن غاية ما يدرك بشيء من الحواس في باب العلاقة ليس إلا الموافاة والمصاحبة بين شيئين وهي لا يوجب العلاقة الذاتية إذ ربما كانت موافاة اتفاقية وصحابة غير تعلقية وأما حكم النفس بكون بعض الأمور سببا لبعض كالنار للإحراق والزنجبيل للسخونة من جهة كثرة الإحساس لوقوع أحدهما عقيب الآخر كما في التجربيات فذلك لا يتم إلا بضم مقدمة أخرى عقلية وهي أن الأمور الأكثرية والدائمية لا يكون اتفاقية بل لها سبب ذاتي فيتوقف إثبات هذه السببية التي يراد إثباتها بالحس والتجربة بين الشيئين كالنار والإحراق مثلا على سببية مطلقة ثابتة بين الأشياء قبل إثبات هذه السببية وتلك السببية أيضا ثبوتها غير بين بل هي أمر مشهور وليس كل مشهور حقا ولا مستغنيا عن البرهان فإذن كون بعض الموجودات أسبابا مطلقة أي فاعلا وغاية ومادة وصورة على الإطلاق لا يثبت إلا بالبرهان العقلي وموضع إثباتها ليس إلا في العلم الأعلى و